» » انعطافة فكرية وعسكرية أسست لمقاومة تنهي الوجود الإسرائيلي




 د. يوسف جاد الحق

 عمدت القيادتان في سورية ومصر، إثر ما دعي بعام (النكسة) وحرب الأيام الستة في الخامس من حزيران عام1967 إلى التوجه نحو أمرين على قدر عظيم من الاهمية بما ترتب عليهما من آثار فيما بعد، وذلك لأول مرة في تاريخ الصراع مع العدو الإسرائيلي منذ عام النكسة عام 1948هما: * مباشرة حرب استنزاف شرسة، على الجبهتين السورية والمصرية، توطئة لحرب قادمة يعتزم البلدان خوضها لاستعادة الارض المغتصبة والكرامة المهدرة. وقد عزز العزم لدى قيادتي البلدين ما أبدته (إسرائيل) في أعقاب النكسة من عربدة وغطرسة، اعتقاداً منها بأن العرب قد انتهوا وأن لا قائمة سوف تقوم لهم من بعد . تمثلت هذه السياسة الرعناء مدفوعة بعامل الغرور _ بالإغارات التي شرعت تقوم بها في عمق الأراضي المصرية، مثل قصف منطقة (أبو زعبل) ومدرسة (بحر البقر) حيث قتلت تلاميذها من الأطفال ومدرسيهم. كما أنها اعتدت مرات كثيرة على الحدود السورية واللبنانية أيضاً، فكانت تصول وتجول في سماوات المنطقة متصورة أنها لن تجد من يجرؤ على الرد عليها. * قيامها بالعمل الدؤوب المركز والجبار لإعداد كل من الجيشين السوري والمصري لخوض غمار الحرب القادمة، تدريباً وتوجيهاً وتزويداً بالسلاح السوفياتي، الأحدث والأكثر تطوراً وفاعلية في مواجهة السلاح الامريكي الذي في حوزة العدو.. وقد عمدتا إلى الكتمان والسرية لكي تكون الضربة الأولى لتلك الحرب المزمعة مفاجئة وصاعقة. *** فوجئ الإسرائيليون تماماً، وعلى غير توقع، بالحرب لدى اقتحام الجيش المصري لقناة السويس وخط بارليف الحصين، بمختلف الأسلحة البرية والبحرية والجوية. وحدث الشيء نفسه على الجبهة السورية، حسب جغرافيتها المعقدة وخطوطها وتضاريسها الصعبة، مما كان له وقع الصاعقة على قيادة العدو، حكومة وجيشاً، وأدى من ثم إلى شلِّ حركة قواته تماماً، تلك القوات التي سبق للإسرائيليين أن أوهموا أنفسهم، قبل غيرهم، والعالم كله، وعموم العرب العاربة بأن جيشهم (غير قابل للهزيمة) بأي حال من الأحوال، وأنه يفوق في قوته جيوش نابليون بونابرت وأدولف وهتلر....! هذا ما صوره لهم غرورهم بطبيعة الحال. إنجازات جمة تحققت في حرب تشرين عام 1973 هذا بعض منها: *قلبت تلك الحرب موازين القوى في المنطقة، عندما أوقعت بالجيش الإسرائيلي، هزيمة نكراء أفقدته الثقة في نفسه، فضلاً عن ثقة الآخرين الذين خدعوا من قبل بحكاية قوته (الأسطورية) الخارقة. أصيبت القيادة الإسرائيلية بالجنون، مما حدا برئيسة حكومتها (جولدا مائير) إبلاغ واشنطن أنها بسبيل استخدام ما لديها من قنابل ذرية إذا لم يتوقف الهجوم السوري- المصري عليها، مما دفع الرئيس الأمريكي (ليندون جونسون) إلى الإسراع بنجدتها، عن طريق جسر جوي بالدبابات والذخائر والمقاتلين إلى جبهة القتال مباشرة في سيناء. *أسست حرب تشرين بعد ذلك لنشوء مقاومة فاعلة ومؤثرة على العدو في ميادين القتال، وعلى معنويات جنوده في كل من جنوب لبنان، وعلى الأرض الفلسطينية في الضفة والقطاع على حد سواء. *أسست لثقافة المقاومة في الأوساط الشعبية العربية، في كل مكان من الوطن العربي. كما إنها خلقت لدى المقاوم العربي، المشتبك مع العدو هنا أو هناك، اليقين الراسخ بقدرته على مواجهة العدو برغم ترسانة أسلحته المتفوقة بالنيران، فضلاً عن حرصه على تكبيد العدو خسائر فادحه في صفوف جنوده الذين تركت في نفوسهم وعقولهم الإحساس بالهزيمة. من ثم أمسينا نرى الجندي الصهيوني في حالة هلع عند كل مواجهة ميدانية، دفعت العديد منهم، في مناسبات كثيرة، إلى الفرار و ببعضهم إلى الانتحار. وقد تجلت آثار ذلك في حرب تموز عام 2006م، العدوانية على الجنوب اللبناني، كما في الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة منذ عام 1989، حتى آخرها بالأمس في حزيران عام 2014م. *كشفت حقيقة (إسرائيل) أمام الرأي العام العالمي في أكثر من مكان وأكثر من جانب: أ- بوصفها (دولة) غازية مغتصبة لأرض الشعب الفلسطيني. الأمر الذي حرصت إسرائيل على نفيه طوال تاريخ وجودها. ب- بوصفها (دولة) الإرهاب الأولى في العالم، وأن ساستها وحكامها ليسوا سوى زعماء عصابات إجرامية و قراصنة. ج- أنها لا تعيش إلا على الدعم الامريكي والغربي الذي مكنها من البقاء كل هذا الوقت بعد أن مكنها من الوجود في ديارنا من قبل بمعنى أن وجودها نفسه قائم على الابتزاز والتسول. د- ظهور مناهضين لها ولسياساتها لدى فئات غير قليلة من مثقفي أمريكا نفسها الذين شرعوا في إبداء استيائهم من دعم دولتهم المطلق لإسرائيل، متسائلين عن جدوى تحمل عبء وجودها وحمايتها وتمويل مشاريعها العدوانية على حساب دافع الضريبة الامريكي. وإذا لم يكن لهذا الكشف من آثار فاعلة وسريعة في الوقت الحاضر فإن مفاعيله وتداعياته لابدّ من ظهورها على المدى القادم من الزمن. إن هذا كله، وغيره لكثير مما يضيق بنا المقام عن الإفاضة فيه، وما هو غير غيض من فيض من التداعيات والنتائج المباشرة، وغير المباشرة على العدو الإسرائيلي وأعوانه ومناصريه الغرباء، والمتواطئين معه من بيننا، التي أسفرت عنها حرب تشرين عام 1973 التي نحن اليوم نحيي ذكراها المجيدة. قد لا نعدو الحقيقة إذا ما قلنا إن مصير إسرائيل ووجودها نفسه أمسى اليوم قاب قوسين أو أدنى من النهاية، هي مسألة وقت ليس إلا. في يقيني أن هذه الحرب القائمة في المنطقة التي أرادوا من ورائها تدميرها، وهزيمة مقاومتها الجبارة، سوريا على وجه التحديد، باعتبارها حجر الأساس ومركز الثقل فيها، هو نفسه سوف تفضي نتائجه إلى عكس ما يهدفون إليه. هذا المخاض العسير سوف يسفر عن ولادة شرعية سليمة، يكون من شأنها إنهاء وجود الكيان الإسرائيلي مرة واحدة وإلى الأبد في وقت ليس ببعيد.

عن موقع رامي حاج سعيد

ً موقع فلسطيني مختص بمتابعة الشأن الفلسطيني والعربي والإسلامي وفق نظرة تتبنى خيار المقاومة وتحرير المقدسات
»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث
View My Stats