بقلم : رامي حاج سعيد
في الخامس عشر من تشرين الثاني عام 1988 تم الإعلان وبشكل رسمي عن قيام دولة فلسطين، وذلك خلال دورة استثنائية من قبل المجلس الوطني الفلسطيني في المنفى (الجزائر).
واستند الاعلان على التبرير القانوني لقرار الجمعية العامة رقم 181 (الثاني) والمؤرخ في 29 تشرين الثاني1947، والذي نص على إنهاء الانتداب وتقسيم فلسطين إلى دولتين . ولعلّ الاعتراف الدولي غير المسبوق بالدولة المعلنة وافتتاح سفارات لها استطاع أن يفرض نفسه على الواقع الدولي بسرعة كبيرة من خلال اعتراف 80 دولة بهذا القرار عام 1988 وفي شباط عام 1989 أقر ممثل منظمة التحرير الفلسطينية ومن على منصة مجلس الأمن في الأمم المتحدة باعتراف 94 دولة، ثم وفي 14 أيلول عام 2015، قامت 136 (70.5%) من بين 193 دولة عضو في الأمم المتحدة بالاعتراف رسمياً بدولة فلسطين.
وبغض النظر عن اختلاف المدرك السياسي في تفسير المنجز وتأويله بانتصار جديد للدبلوماسية الفلسطينية والقدرة على انتزاع الحقوق. أو اعتبار هذا الاعتراف بمثابة قرار تقسيم جديد، وأداة تشريع أخرى تبرر الاحتلال، وتتنازل عن الأراضي الفلسطينية، إلا أنّ السؤال المعضلة هل يعتبر الاعتراف الدولي بفلسطين هو الحل للقضية الفلسطينية؟ .
وللإجابة عن هذا السؤال كان لا بد لنا من مقارنة بسيطة بين مفهوم قيام الدولة كمصطلح نظري، واسقاطه وفق رؤية نقدية على الممكن والمتاح للواقع الفلسطيني في أراضي ال 67، ثم استحضار المنجز عبر عقدين ونصف من الزمن، للبحث في دلالة الواقع عن مدى تحقيق هذه الدولة لأبسط مقوماتها.
أما على المستوى النظري فقد اختلفت النظريات السياسية في بناء الدول، فمنها ما ركز على بناء مؤسسات حكومية مستقرة سياسيًا وتفضيل المصالح الجيوسياسية والاقتصادية للشعب، عملا بنظرية الواقعية السياسية. ومنها ما يحتاج إلى بناء دعم شعبي واسع من خلال إنشاء مؤسسات ديمقراطية، ونشر الإصلاحات الاقتصادية، ويستند هذا الفكر في بناء الدولة على ليبرالية المنتصر في نظرية بناء الدولة وممارستها. أما الفكر السياسي الحديث في بناء الدول، فيدرس شرعية الدول الجديدة من خلال دعم الأمن، والخدمات العامة الأساسية لشعوبهم، ويرتكز في ذلك على نظرية العقد الاجتماعي، التي تنص على أن شرعية الدول تأتي من تأمينها وبفاعلية الحاجات الأساسية، وخلق مؤسسات حكومية فعالة، وتكافؤ ثقافي، والحاجة إلى توجهات استراتيجية...
وعند المقاربة بين تلك النظريات نجد أن بناء مؤسسات حكومية مستقرة سياسيا ، ونشر الإصلاحات الاقتصادية، ودعم الأمن، وتأمين الحاجات الأساسية للسكان، والحاجة إلى توجهات استراتيجية... هي ثوابت وأصول لا بدّ منها لبناء دولة ما سوى أنها تستحيل على المستوى التنفيذي ضمن المشهد الفلسطيني المركب والمرتبط أمنيا واقتصاديا وسياسيا واستراتيجيا بالمنظور الصهيوني وخصوصاً أن هذا الكيان ومعظم الدول الغربية لم تعترف بوجود دولة فلسطينية مستقلة، معللة موقفها بأنه لا يمكن إنشاء تلك الدولة إلا من خلال المفاوضات المباشرة بين الكيان الصهيوني والسلطة الوطنية الفلسطينية بينما تنطلق الرؤية الإسرائيلية للدولة الفلسطينية من منظور أمني وديموغرافي، ومن إدراك الإسرائيليين بحتمية قيام الدولة الفلسطينية كأحد الخيارات الحتمية لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي إلّا أنّ هذه الرؤية لا ترقى إلى مستوى الدولة الكاملة وتعلو قليلا عن مفهوم الحكم الذاتي، فهي من منظور هذه الرؤية دولة اللادولة .
ولعل أهم القضايا الرئيسية التي تعرقل التوصل لاتفاق الحل النهائي وبغض النظر عن محاولة الجانب الإسرائيلي فرض شروطه في مختلف جولات المفاوضات مع الجانب الفلسطيني بإقامة الدولة الفلسطينية على جزء مقطّع الأوصال من الأراضي المحتلة مع الإبقاء على المستوطنات الإسرائيلية التي تحاصر القرى والبلدات الفلسطينية تحت السيطرة الإسرائيلية هي الحدود، الأمن، حقوق المياه، وضع القدس وحرية الوصول إلى الأماكن الدينية، التوسع الاستيطاني المستمر، وتطبيق حق العودة ، بمعنى أن ّ الكيان الصهيوني وحلفائه لا يكتفي برفض فكرة الدولة الفلسطينية وإنما هو يحيل مناقشة ركائزها ومقومات نهوضها لمفاوضات الحل الأخير والتي لم تجد لها منذ العام 1993 ( اتفاقية أوسلو ) وحتى اللحظة أي تقدم ملحوظ .
إليوت إبرامز ، الدبلوماسي الأمريكي الذي رافق إدارتي جورج بوش الأولى والثانية ، وتولى العديد من مواقع المسؤولية فيهما ، وزار المنطقة كمبعوث رسمي عشرات المرات ، كتب مقالا في هآرتس تحت عنوان "ربما ليس دولة" ، يعيد فيه بالكامل ، إنتاج خطاب بينامين نتنياهو فيتساءل من خلاله: إذا كانت التسوية الدائمة ليست مسألة واقعة الآن (وربما في المستقبل) ، فما هو الواقعي اذن؟ ، ويجيب: تكثيف الجهود من أجل بناء مؤسسات فلسطينية في الضفة ، وهناك ما يمكن الاعتماد عليه: قوات الأمن الفلسطينية الجديدة التي تحسن من قدراتها ، والاقتصاد الفلسطيني في وضع محتمل ، وهناك قائد موثوق مثل رئيس الوزراء سلام فياض ، الخلاصة من وجهة نظر إليوت: الأمن أولا (وطبعا هو يتحدث عن أمن الكيان الصهيوني) ، والسلام الاقتصادي بدلا عن سراب التسوية الدائمة ، ودولة مؤقتة ومنقوصة السيادة في الضفة الغربية ... وطبعا لن نذهب كثيرا في تفسير الكناية من مصطلح الدولة المؤقتة .
ومن هنا نجد أنّ قيام الدولة الفلسطينية وفقا للوصفة الأمريكية والأوربية، يقوم على فكرة تتناقض وبشكل أساسي مع بنية أي دولة حقيقية، وبالتالي فإن هذه الدولة كما يجب أن تكون بنظرهم هي لن تقدم أي إضافة للشعب الفلسطيني، ولن تكون جزء من الحل وإنما سوف تكون جزء من المشكلة.
وعلى صعيد آخر، فإن قيام الدولة الفلسطينية ربما هو لا يحظى بالإجماع على المستويين الإقليمي والمحلي الفصائلي، وخصوصا تلك التي تشكل ثقل عسكري وتتمتع بحواضن شعبية كبيرة كحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، فبينما تعد حركة فتح من أكثر فصائل العمل الوطني سرعة وقبولا للمشاريع السياسية التي تطرح في المحافل الإقليمية والدولية، وفق رؤية الحل النهائي (والتي تتضمن انسحاب الكيان الصهيوني من المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 بما فيها القدس الشرقية وحل قضية اللاجئين استنادًا إلى القرار 194أيضاً تفكيك المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية وحتى الوصول لاتفاقية سلام تضمن قيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة الكيان ) إلا أنّ موقف حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين ، يأخذ بعدًا واحدًا لا يقبل التطويع أو المرونة، فقد بني الموقف على أساس أن الدولة تبدأ بعد زوال الاحتلال، وأنّ السيادة على الأرض لن تكون خالصة إلا في ظلّ عدم وجوده ، وبناء على ما سبق من مواقف رفضت حركة الجهاد خوض الانتخابات أو الدخول في حكومة السلطة الفلسطينية، سواء في غزة أو الضفة الغربية، ولعل الإطار الفكري والتنظيمي لحركة الجهاد الإسلامي هو الحامل الحقيقي لثقافة الرفض التي تتبناها الحركة، على قاعدة أن فلسطين من البحر للنهر، أرض إسلامية عربية يحرّم شرعا التفريط في أي شبر منها وبالتالي فإن وجود الكيان الصهيوني على هذه الأرض باطل، أيضا كما أنها تنظر للقضية الفلسطينية على أنها القضية المركزية للأمة الإسلامية وهذا يتطلب بالضرورة وحدة القوى الإسلامية والوطنية على الساحة الفلسطينية، واللقاء في ساحة المعركة، كشرط أساسي لاستمرار وصلابة مشروع الأمة الجهادي ضد العدو الصهيوني .
وأعتقد أن النقطة الأخيرة والمتعلقة بالمركزية الإسلامية للقضية الفلسطينية، هي لا تنظّر فقط لاستحالة مفهوم الدولة الفلسطينية كونها جزء لا يتجزأ من قضية الأمة ككل، ولكنها استقراء لاستحالة الدولة الصهيونية أيضا، ولعلّ استحضار اقتراح هرتزل في إقامة دولة قوية وغريبة عن النسيج العربي تكون بمثابة قاعدة عسكرية وسياسية واقتصادية متقدمة، يحقق بها الغرب مصالحه الاستعمارية وتحول دون قيام دولة عربية موحدة، لهو دليل إضافي يثبت أن وجود هذا السرطان وتشريع وجوده عبر الاعتراف به كدولة إنما هو إنقاص من الوجود العربي والإسلامي في المنطقة ككل .
إذا فإن الحالة السياسية الفلسطينية، وكذلك المعطيات الإقليمية والدولية، لا تجعل من قيام الدولة الفلسطينية ممكنا، فالدولة تنشأ من واقع سياسي ينطلق من إزالة الاحتلال وإنهائه. وإن الواقع الجيوسياسي في الضفة الغربية، يوحي بأن الكيان الصهيوني مصرّ على سحق مقومات الدولة الفلسطينية، من سيادة وأرض وموارد طبيعية. وبالتالي فإن التوافق الفلسطيني لإنهاء الانقسام، وتوحيد البرامج السياسية لمختلف الفصائل الفلسطينية، هو المطلب الحيوي والأساسي للفلسطينيين، وهو الحل الوحيد، فلا يمكن مواجهة العدو ومعوقاته في ظل حالة التشرذم الفلسطيني والعربي.
